أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
561
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
فلو شئت أن أعجل عقوبتهم لما أمهلتهم طرفة عين ، وأعلمهم أنه من تاب إلى قبلته ، ومن تمادى أمهلته ، ومن عصاني عذبته ، يا موسى من ذا الذي قصدني صادقا فخيبته ، أو لجأ إلي فأسلمته ، أو سألني فمنعته ، أو رجع إلي فطردته ، أو تاب إلي وما قبلته ، أو تضرع إلي وما رحمته ، انتهى . ولما أنزل اللّه تعالى : وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [ الشورى : 30 ] . قال سيدنا علي كرم اللّه وجهه : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « يا علي من آخذه اللّه بذنبه في الدنيا فهو أكرم من أن يعذبه عليه في الآخرة ، ومن عفا عنه في الدنيا فهو أعز من أن يعاقبه في الآخرة ، ومن ستره في الدنيا فهو أجل من أن يفضحه في الآخرة » . قال علي : فكانت عندي خيرا من الدنيا وما فيها ، وأنشدوا : سبحان من أبدع الأشيا وقدرها * ومن يجود على العاصي ويستره يخفي القبيح ويبدي كل صالحة * ويغمر العبد إحسانا ويشكره ولما كان اللطف يقتضي التهذيب ، والرحمة تقتضي التقريب ، تعجب الشيخ من شدة قرب الحق للعبد مع شدة بعد العبد عنه ، فقال في المناجاة التاسعة : 352 - إلهي ما أقربك مني وما أبعدني عنك ، وما أرأفك بي ، فما الذي يحجبني عنك . قلت : قرب الحق من العبد قرب رحمة واجتباء ، وتقريب واصطفاء ، هذا في حق الخواص ، وفي حق العوام هو قرب إحاطة وقدرة ، وعلم ومشيئة وتصريف وقهرية ، والمراد هنا هو الأول ، فإن بعد العبد من ربه إنما هو بسوء أدبه ، وإلا فالحق تعالى قريب من كل شيء ، محيط بكل شيء ، ليس شيء أقرب إليه من شيء ، ولا شيء أبعد عليه من شيء ، وما بعد العبد من ربه إلا وهمه وسوء فعله ، ولذلك قال الشيخ تواضعا وأدبا : إلهي ما أقربك مني بلطفك ورأفتك وعلمك